الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
279
الأخلاق في القرآن
الأسباب ما غَرّتهُ وإستهوته ، لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه ، ولا يستقلّ بِتدبير أمره ، ولو ملك نفسه ، - لوقاها ممّا يكرهه من الموت ، وسائر آلام الحياة مَصائبها ، ولإستقلّ بتدبير أمره ، لم يفتقر إلى الخضوع ، قبال الأسباب الكونيّة . فالحاجة إلى ربٍّ : - مَلِكٍ مُدَبّرٍ - ؛ حقيقة الإنسان ، والفقر مكتوبٌ على نفسه ، والضعف مطبوعٌ على ناصيته ، لا يخفى ذلك على إنسانٍ له أدنى الشّعور الإنساني ، والعالم والجاهل ، والصّغير والكبير ، والشّريف والوضيع ، في ذلك سواء . فالإنسان في أيّ منزلٍ من منازلِ الإنسانية نزل ، يشاهد من نفسه أنّ له رباً يملكه ويدبّر أمره ، وكيف لا يشاهد ربّه ، وهو يشهد حاجته الذاتيّة ؟ ولذا قيل : إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا . أنّه محتاج في جميع جهات حياته ، من وُجوده وما يتعلق به وجوده من اللّوازم والأحكام ، ومعنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض ، وفرّقناهم ، وميّزنا بعضهم من بعضٍ بالتّناسل والتّوالد ، وأوقفناهم على إحتياجهم ومربوبيتهم لنا ، فإعترفوا بذلك قائلين ، بلى شَهِدنا أنّك ربّنا » « 1 » . وبناءاً على ذلك ، يثبت لنا أنّ التّعرف على حقيقة الإنسانيّة ، بخصوصياتها وصفاتها ، هي السّبب والأساس لمعرفة الباري تعالى شأنه . والحديث المعروف ، الذي يقول : « مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عِرَفَ رَبَّهُ » ، ناظر إلى هذه المسألة بالذات . وقد نقل هذا الحديث مرّةً عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، ومرّةً أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام ، ومرّةً نُقل عن صُحف إدريس عليه السلام . فجاء في بحار الأنوار نقلًا عن صحف إدريس عليه السلام ، في الصّحيفة الرّابعة ، والتي هي صحيفة المعرفة : « مَنْ عَرَفَ الخِلْقَ عَرَفَ الخالِقَ ، وَمَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرَّازِقَ ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ » « 2 » .
--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 8 ، ص 307 ، ذيل الآية المبحوثة ، ( مع التلخيص ) . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 92 ، ص 456 ؛ ج 58 ، ص 99 ؛ ج 66 ، ص 293 ، ونقل عن المعصوم عليه السلام ، وفي ج 2 ، ص 32 عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله .